الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة دائما في الذاكرة: المنجي بن يعيش: الروح المتقدة للمسرح التونسي

نشر في  13 أفريل 2026  (09:45)

 وُلد المنجي بن يعيش سنة 1917 في حيّ باب سويقة النابض بالحياة، في قلب المدينة العتيقة بتونس، وقد كرّس حياته للفن المسرحي بسخاء وإصرار نادرين. كان كاتبًا مسرحيًا، وممثلًا، ومؤلفًا إذاعيًا، ومناضلًا من أجل الاستقلال، وظلّ واحدًا من أكثر الشخصيات إنتاجًا وجاذبية في المسرح التونسي خلال القرن العشرين.

ما يلفت الانتباه في مسرح المنجي بن يعيش هو ثراء شخصياته وتنوّعها. ففي تونس التي يصوّرها، تجد كلّ المكوّنات الاجتماعية مكانها: العائلات العربية في المدينة العتيقة، يهود الحيّ، أمازيغ الجنوب، شخصيات البرجوازية الحضرية (البلدي) وكذلك عامة الناس في الأزقة الشعبية.

وتُجسّد مسرحياته الإذاعية نساءً مسنّات، وتجارًا، ومثقفين وأميين، وشبابًا يعيشون تناقضات حداثة تهزّ التقاليد — في صور تعكس مجتمعًا سريع التحوّل.

وقد برع في منح الصوت للنساء والبسطاء والمنسيين، كما أن بعض أبرز أدواره كانت شخصيات نسائية جسّدها بنفسه على الركح بصدق لافت. كانت رؤيته للمسرح إنسانية عميقة، تقوم على قوة العلاقة بين الخشبة والجمهور، وعلى ضرورة أن يصل العمل الفني إلى المتفرج بلغته ومشاعره وتناقضاته وروح الدعابة لديه.

تبتعد كتابته عن التجريد والغموض، وتسعى إلى التواصل المباشر، إلى الاعتراف المتبادل، إلى الضحك المشترك — وأحيانًا، خلف هذا الضحك، إلى ذلك التأثر العميق الذي يلامس القلوب.

ويُجمع من عرفوا المنجي بن يعيش على نبل أخلاقه. فقد كان يؤكد في نصوصه الإذاعية أن رجل المسرح لا بدّ أن يتحلّى، إلى جانب الموهبة، بقيم أخلاقية رفيعة: التواضع، وحسن المعاملة مع الزملاء، واحترام الجمهور، والابتعاد عن الغرور. وقد كان مثالًا حيًا لما يدعو إليه، إذ عُرف باهتمامه بالآخرين وسخائه في وقته، واستعداده الدائم لدعم الممثلين الشباب ومشاركتهم معرفته العميقة بالمسرح العربي والفرنسي.

توفي فجأة يوم 3 أوت 1982 عن عمر ناهز الثالثة والستين، تاركًا وراءه عائلة كبيرة — زوجته سعاد العروسي، وأبناءه وبناته — وإرثًا أدبيًا ومسرحيًا بالغ الثراء.

وقد بادر ابنه هشام بن يعيش، رئيس تحرير مجلة "نيو أفريكان" بباريس، باسم عائلة بن يعيش، إلى إهداء الأعمال الكاملة لوالده إلى الأرشيف الوطني التونسي، والتي تضم أكثر من 400 مسرحية ومقال وبرنامج إذاعي ونصوص متنوعة — وهو كنز ثقافي لا يزال في انتظار أن يُستكشف ويُدرس ويُنقل إلى الأجيال القادمة.

فالمنجي بن يعيش ينتمي إلى فئة من الفنانين الذين يشيدون صروحهم في صمت، دون سعي إلى المجد، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا: أن يمنحوا شعبهم الكلمات والصور التي تساعده على فهم ذاته والتعبير عن واقعه.

تحرير: نِظام عبدي

ترجمة: حفيده أنس بن يعيش